محمد متولي الشعراوي

5823

تفسير الشعراوى

وهكذا يصدق قول الحق سبحانه بأن البيت قد وجد للناس قبل آدم ، وهو للناس إلى أن تقوم الساعة ، وهكذا نعلم أن الحق سبحانه خلق الخلق وأنزل لهم المنهج ، وأن الأصل في الناس هو الإيمان ، لكن الكفر هو الذي طرأ على البشر من بابين : باب الغفلة ، وباب تقليد الآباء . والدليل على ذلك أن الحق سبحانه وتعالى حينما تكلّم عن ميثاق الذر ، قال : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ « 1 » وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ ( 172 ) أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَ فَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ ( 173 ) [ الأعراف ] إذن : فالتعصّى عن الحكم الإيمانى مدخله بابان : الأول باب الغفلة ، أي : أن تكون قد علمت شيئا ، ولم تجعله دائما في بؤرة « 2 » شعورك ؛ لأن عقلك يستقبل المعلومات ، ويستوعبها من مرة واحدة ، إن لم تكن مشتّت الفكر في أكثر من أمر ، فإن كنت صافي الفكر ومنتبها إلى المعلومة التي تصلك ؛ فإن عقلك يستوعبها من مرة واحدة ، ومن المهم أن يكون الذهن خاليا لحظة أن تستقبل المعلومة الجديدة . ولذلك نجد فارقا بين إنسان وإنسان آخر في حفظ المعلومات ، فواحد يستقبل المعلومة وذهنه خال من أي معلومة غيرها ، فتثبت في بؤرة

--> ( 1 ) ذريّة الرجل : ولده ، والجمع : الذريات والذراري . قال تعالى : ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ . . ( 34 ) [ آل عمران ] والذرية مأخوذة من ذرأ اللّه الخلق ، أي : خلقهم . فالذرية : اسم يجمع نسل الإنسان من ذكر وأنثى ، وأصلها الهمز ولكنهم حذفوه فلم يستعملوها إلا غير مهموزة ؛ وقيل : الذرية أصلها من الذّرّ بمعنى : التفريق ؛ لأن اللّه تعالى ذرّهم في الأرض ، أي : فرّقهم . [ اللسان : مادة ( ذرر ) ] . ( 2 ) بأر الشئ : خبأه وادّخره . ومنه قيل للحفرة : البؤرة . ومنها بؤرة الشعور أي : حفرة ومركز الشعور الذي يحتفظ فيها الإنسان بمعلوماته ومشاعره تجاه الأحداث التي تواجهه . انظر لسان العرب ( مادة : بأر ) .